محمد المحمدي الگيلاني

28

تكملة شوارق الألهام

عليه معنى « موجود » إذ تصوّر أنّ معناه بمقتضى الاشتقاق أنّه شيء له الوجود ، فأنكر صحّة الحكم على الوجود بأنّه موجود ، وإلّا يلزم أن يكون للوجود وجود آخر وهذا الوجود الآخر أيضا موجود فيلزم له وجود ثالث وهكذا فيتسلسل إلى غير النهاية ، ولأجله أنكر أصالة الوجود ، وذهب إلى أصالة الماهيّة . ولا يخفى أنّ هذا الاشتباه نشأ عن الغلط في تصوّر معنى « موجود » وغفل عن أنّ موجوديّة كلّ موجود بالوجود ؛ فإنّ صحّة قولنا - مثلا - : « الإنسان موجود » باعتبار تقييد « الإنسان » بالوجود ، فالماهيات الإمكانية في موجوديّتها تحتاج إلى حيثيّة تقييديّة بخلاف الوجودات الإمكانية في موجوديّتها فإنّها مستغنية عن الحيثية التقييدية ؛ لأنّها موجودة بالذات لا بالعرض ، ولكن كلتاهما محتاجة إلى حيثيّة تعليليّة . نعم ، الوجود الواجب بالذّات موجود بلا حيثية تقييدية ولا حيثية تعليلية ، والحاصل أنّ موجودية كلّ شيء بالوجود ، وأمّا موجوديّة الوجود بنفسه وذاته لا بالعرض ، فافهم . وقوله قدّس سرّه : « وارتكاب أقل القبيحين ، مع إمكان التخلّص » هو الجواب عن الدليل الثاني للأشعري ؛ فإنّهم قالوا : لو كان الكذب قبيحا ، لكان الكذب المقتضي لنجاة النبيّ من هذا الظالم قبيحا ، والتالي باطل ؛ لبداهة حسن خلاص النبي وأيّ مظلوم من يد الظالم . وأيضا لو قال إنسان : لأكذبنّ غدا ، فإن حسن منه الصدق بإيفاء الوعد ، لزم حسن الكذب ، وإن قبح ، كان الصدق قبيحا ، فيحسن الكذب . والجواب : أنّ الكذب في الصورتين باق على قبحه وكذا الصدق باق على حسنه إلّا أنّ ترك إنقاذ النبيّ أقبح منه ، والبداهة حاكمة بارتكاب أقلّ القبيحين تخلّصا عن ارتكاب الأقبح مضافا إلى أنّه يمكن التخلّص عن ارتكاب الكذب بالتورية والتعريض . قوله قدّس سرّه : « والجبر باطل » جواب عن الدليل الثالث لهم ؛ إذ قالوا : إنّ المحقّق عندنا أنّ العبد مجبور في أفعاله ، ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح ، فلا شيء من أفعال العبد بحسن ولا قبيح . أمّا الكبرى فبالاتّفاق . وأمّا الصغرى فلما قرّرنا في محلّه . والجواب - مع الاعتراف بصحّة الكبرى - أنّ الصغرى مطعون فيها كما سيأتي .